نخبة من الأكاديميين

391

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

وهنا يمكن أن نقول مع القائلين : إن المرجعية الليبرالية الغربية ( تجربةً وأفكاراً ) قدمت معطيات للجواب على مسألة الاستبداد واحتمال تخطيه ، وبالتالي احتمال الدخول في التاريخ العالمي والتحوّل إلى قوى تقدّم في العالم أسوةً بالقوى الأوروبية ، حيث يتمركز حقل النظر والرؤية الجاذبة والمتحدية في الوقت نفسه . أمامنا جوابان على التحدّي الذي واجهه الشرق العربي والإسلامي آنذاك ، هذا الشرق الذي كان موزَّعاً بين دولتين سلطانيتين استبداديتين ترفعان اسم الإسلام عنواناً لحكمهما ( الدولة العثمانية في تركيا ومعظم البلاد العربية ، والدولة القاجارية في إيران ) . 1 - جواب حمله ليبراليون تماثلوا كلياً مع التجربة الليبرالية في الغرب ، فدعوا إلى قطيعة شبه كاملة مع الماضي الإسلامي المعيش في حاضرهم والمتمثل في حالة استبداد سلطاني وقمع للحريات وانحطاط وترهل في المبادرة والعمل والعقلية . هذا في وقت كان يقتحم فيه المشروع الرأسمالي قطاعات الانتاج المحلي في الصناعة والحرفة والزراعة وعلاقات التبادل ، وفي وقت كانت تشيع فيه أخبار الثورات الديمقراطية في بلدان أوروبا ، وتتشكل فيه ، ومن خلال مؤسسات التعليم الأجنبي الحديث وتعلم اللغات الأجنبية ، نخب تقرأ بشغف مؤلفات " عصر الأنوار " وماوصل من كتب الاشتراكية وبعض العلوم الجديدة . ومن هؤلاء نذكر فارس نمر ويعقوب صروف وفرح أنطون وشبلي الشميّل ولطفي السيد . . . وجميعهم أكدوا على الحل الليبرالي - الديمقراطي والتحديث المتماثل مع التجربة الغربية حرفياً ، حتى أن بعضهم كفارس نمر - كان يدعو إلى الاحتلال الأجنبي كطريق منقذ من الاستبداد الفردي السلطاني ، وكشرط لإقامة النظام الديمقراطي الجديد . ولا يزال لهذا الجواب ، الذي صيغ في المراحل الأولى من السيطرة الإمبريالية في الشرق العربي والإسلامي ، امتداده حتى الآن في المنهج والعقلية والسياسة . ورغم خيبة الأمل التي أوقعتها السياسات الغربية بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية ، وإقامة إسرائيل ، وسلسلة الحروب العدائية الموجهة ضد الشعوب العربية والإسلامية ، فإنه لا تزال ثمة جاذبية للفكر الليبرالي الغربي تشد إليها العقول كمرجعية حضارية ، وكنموذج للدخول في زمن المعاصرة . يبرر ذلك النزوع ويفسّره حال الاستبداد والمآزق التنموية التي تعيشها باستمرار تجربة الدولة القطرية في الوطن العربي ، والتي تعيد على " خريطة مصغرة " تجربة الدولة السلطانية في التاريخ الإسلامي . 2 - جواب ثانٍ قدّمه مفكرون إسلاميون تنوّعوا في فهمهم وتصورهم وتشخيصهم " لأمراض " الشرق العربي والإسلامي ، وتمايزوا في ما اقترحوه من حلول من خلال صور استيعابهم وتوليفهم بين مرجعيتين تاريخيتين حضاريتين : مرجعية التجربة الأوروبية ومرجعية التجربة التاريخية الإسلامية . ومن ضمن عملية التوليف والاستيعاب جاءت الأجوبة مشددة على مداخل ومحاور معينة في تصور الحل الذي ينهض بالعرب وبقية الشعوب الإسلامية : أ - مدخل الثورة أو إقناع الحاكم بالإصلاح ، وهو المدخل الذي شدّد عليه جمال الدين الأفغاني ،